بين خيطٍ يُنسج بيدِ حرفيٍّ من مختلف مناطق المملكة، وقصّةٍ تُعرض تفاصيلها على مدارج العرض في ميلانو وباريس، يقف هذا العدد عند المسافة التي تفصل بين ما نحمله من إرثٍ وثقافة، وما يتغيّر حولنا في عالم الموضة.
نبدأ من حيث بدأت الأزياء السعودية فعليًا؛ من يدٍ عرفت قيمة الخيط، وأتقنت فنون الحياكة والتطريز منذ مئات السنين. نتتبع رحلة الحرفة المحلية، من ذاكرة بصرية تشكّلت عبر مناطق المملكة بتنوّع أزيائها وخاماتها وتفاصيلها، إلى صناعة تخاطب العالم بلغتها الخاصة.
وفي مساحة أخرى من هذا العدد، ننتقل إلى باريس وميلانو، حيث تُرسم ملامح خريف وشتاء 2026-2027 بخياطة أكثر جرأة، وأحجام منحوتة، ودانتيل يستعيد رومانسيته، وخامات تتحاور بين القوة والرقة.
وبين الرياض وباريس وميلانو، يبقى السؤال الأهم:
كيف تتموضع الهوية المحلية داخل لغة عالمية لا تكف عن التغيّر؟
لا يبحث هذا العدد عن إجابة واحدة، بقدر ما يفتح مساحة للنظر؛ إلى ما ورثناه، وما نصنعه اليوم، وما يمكن أن تصبح عليه الأزياء السعودية غدًا.
فريق عبيّة
من خيوط الذاكرة إلى منصات العالم

قبل أن تبرز العلامات المحلية في صالات العرض والمنصات الدولية، كانت هناك يد تٌتقن الحرف اليدوية، وعين تميّز بين لمعان الزري ودفء النسيج، وذاكرة تحفظ لكل منطقة ثقافتها وذائقتها الخاصة.

في المملكة، لم تكن الملابس التقليدية زينة عابرة، بل سجلًا بصريًا للمكان؛ تعكس أثر البيئة، وتروي اختلاف المناسبات، وتمنح اللون والتطريز والخامة معنى يتجاوز المظهر. ومن هذا الإرث تحديدًا تنطلق الموضة السعودية اليوم؛ لا بوصفها استعادةً للماضي، بل باعتباره مرجعًا ومادةً فنية حيّة يمكن صوغها من جديد.
أناقة الإطلالة، في هذا السياق، لا تأتي من كثرة الزخارف، بل من العلاقة بين الفكرة والتنفيذ؛ من خلفية ثقافية وبصرية ثرية بالأزياء والألوان والتطريز والحِرف، ودقة التناسب بين التفاصيل، والقدرة على تحويل تفصيل محلي إلى تصميم معاصر من دون أن يفقد جذوره.
ومن هذه الأرضية، بدأ جيل التأسيس في رسم ملامح حضور مختلف للأزياء السعودية؛ عدنان أكبر الذي عرض مجموعته في محيط برج إيفل عام 1987، ويحيى البشري الذي صمم لشخصيات من العائلتين المالكتين السعودية والبريطانية. واليوم، يحمل جيل جديد هذا الإرث إلى مساحات أكثر معاصرة؛ من ريم الكنهل التي شاركت في معرض Tranoï بباريس ضمن برنامج Saudi 100 Brands، إلى تالا أبو خالد التي تجمع تحت علامة Rebirth بين الدانتيل وخيوط الحبال وسعف الرافيا.
وبين جيل التأسيس وجيل اليوم، لم تتغير التصاميم وحدها؛ بل اتسع المشهد من تجارب فردية إلى منظومة متكاملة تضم علامات وبرامج تطوير ومنصات عرض ومساحات جديدة للصناعة.

وفي الرياض، أصبح أسبوع الموضة إحدى أبرز صور هذا التحول؛ إذ قدمت نسخته الثالثة أكثر من 25 عرض أزياء، فيما تشير بيانات هيئة الأزياء إلى أن الإصدارات الثلاثة مجتمعة شهدت مشاركة أكثر من 100 علامة، واستقطبت نحو 27 ألف زائر.
وهكذا، لا يعود الماضي نقيضًا للمعاصرة، بل أحد مصادرها؛ وتصبح الحرفة جزءًا من حوار مستمر بين ما ورثناه، وما نصممه اليوم، وما يمكن أن تحمله الأزياء السعودية إلى المرحلة التالية.
«الهوية السعودية لا تُختزل في رمز واحد؛ وما يمنح التصميم هويته ليس تكديس الإشارات التراثية، بل القدرة على تحويل الذاكرة المحلية إلى لغة معاصرة.»
اتجاهات الموضة لخريف وشتاء 2026–2027
قراءة في أبرز اتجاهات باريس وميلانو

مع ظهور مجموعات خريف وشتاء 2026-2027 على منصات العرض العالمية، قدّمت باريس وميلانو ملامح موسم يعيد صياغة عناصر مألوفة بلغة أكثر جرأة؛ خياطة واضحة تعيد رسم هيئة الإطلالة، وأحجام أكثر نحتًا، وعودة لافتة للدانتيل واللمسات الرومانسية، إلى جانب الجلد والخامات الغنية.
لا تتجسد هذه الاتجاهات في قالب واحد، بل تتقاطع داخل مجموعات تجمع بين قوة القصّة، وثراء الخامة، ودقة التفاصيل.

خمسة ملامح ترسم قراءتنا للموسم: الأحجام المنحوتة، عودة الخياطة، الأسود والوردي والدرجات العميقة، الدانتيل والخامات الغنية، وأزياء السهرة المستلهمة من روح Art Deco.
من الاتجاه إلى الإطلالة
لا تبدأ الإطلالة المعاصرة من تقليد ما يظهر على منصة العرض، بل من فهم الفكرة التي تقف خلفه، ثم إعادة صياغتها بما يناسب الأسلوب والمكان.
يمكن للخياطة أن تظهر في عباية ذات كتف محدد، وأن يحضر الدانتيل بطبقات أكثر احتشامًا، وأن يتحول الحجم من مبالغة بصرية إلى توازن مدروس بين النسب والحركة.
الاتجاه عالمي، أما الأسلوب، يبقى شخصي يصنعه حضورك الخاص.
اختيار فريق التحرير
اخترنا من عبيّة ثلاث قطع فاخرة، لا لأنها تتبع صيحة بعينها، بل لأنها تعكس تنوّع لغة المصمم السعودي المعاصر من خلال الحرفة والخامة والحركة. ثلاث إطلالات، بثلاث رؤى مختلفة، تكشف كل منها وجهًا من وجوه التصميم السعودي اليوم.
فستان الأغصان البرونزي

أكمام شفافة تنساب مع القوام، وتنورة تتشكل فوقها أغصان برونزية كأنها مرسومة على القماش، لتصنع توازنًا بين خفة الحركة وثراء التفاصيل.
الفستان الأسود المهيكل

تصميم بأكتاف حادة وخامة ذات ملمس بارز تمنح القطعة عمقًا، وتخلق تباينًا مدروسًا بين البريق والشفافية.
الفستان الأزرق الملكي

جرأة اللون في تكوين متجانس؛ خط مكشوف الكتفين، وتفاصيل من الكريستال الأسود تتوزع بتناغم، مع حجم درامي يتسع مع الحركة. حضورٌ تصنعه النسب بقدر ما يصنعه اللون.
كلمة أخيرة: قطعة تعيش طويلاً
تمر الاتجاهات، وتتغير المواسم، وتعيد الموضة رسم ملامحها باستمرار. لكن القطعة التي تبقى ليست بالضرورة الأكثر حضورًا في موسمها، بل تلك التي تحمل فكرة واضحة، وتنفيذًا دقيقًا، وتفاصيل لا تفقد قيمتها بانتهاء الموسم.
ربما هنا تلتقي الذاكرة بالمستقبل فعلًا؛ حين لا يصبح الماضي شيئًا نعود إليه، بل معرفةً نصنع منها ما يأتي بعده.
─────
CONTRIBUTORS
Editorial
OBAYH Magazine
─────
Creative Direction
OBAYH Studio
─────
Featured Store
BIDRA
─────
OBAYH
www.obayh.com
{{ comment.user.store?.store_name ?? comment.user?.name }}
{{ comment.created_at_text }}{{ reply.user?.store?.store_name ?? reply.user?.name }}
{{ reply.created_at_text }}